الانهيار القادم لامريكاـــ قراءة في امكانية الحفاظ على الموقع الدولي

0 1

قلم

كتب / وليد خالد احمد …

يرى اكثر المفكرين، ان القرن الماضي كان من اكثر القرون ازدحاماً بالمتغيرات على كل المستويات، ويرى بعضهم، ان النصف الثاني منه حمل من المتغيرات اكثر مما حملته قرون ماضية…

 

من هذا المنطلق برزت الى السطح دراسات كثيرة تعنى بشؤون المستقبل، وأسست لهذا الغرض مئات المؤسسات والمراكز البحثية، غير ان الواضح هو ان معظم الدراسات التي تحدثت عن المستقبل كانت قليلة التوفيق في رصد المتغيرات المتسارعة على مختلف الاصعدة، وحاولت خداع عقل التلقي واعادة صياغته لغايات باتت معروفة ومكشوفة…

 

وما يجب الاشارة اليه هنا، هو انه ينبغي التعامل مع هذا اللون من الدراسات المستقبلية بكثير من الحذر نظراً لانها تتعامل في الغالب مع عامل او عاملين من عوامل البقاء او الانهيار… فيما تتحدث التجربة التاريخية عن جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤدي الى انهيار الامبراطوريات.

 

ولعلنا نشير هنا، الى ان احداً على سبيل المثال، ممن تحدثوا عن القرن العشرين وتغيراته.. لم يرصد فيه انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، ولكننا نشير كذلك الى ان هذا الانهيار نبه المهتمين بعلوم المستقبل الى جانبين رئيسيين يتعلقان بأسس البحث في التحولات المحتملة في الدول الكبرى وحتى الصغرى منها. الجانب الاول يتعلق بالقدرات الاقتصادية، والثاني يتعلق بالتناقضات العرقية.

 

لقد اثبت انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه دول المنظومة الاشتراكية، ان القوة العسكرية وحدها لا يمكنها حراسة الموقع الدولي والاقليمي للبلد المعني. كما ثبت ان للتنوع العرقي تفاعلات من السهل انفجاراها في لحظة، خاصة عندما تسوء الاوضاع الاقتصادية ويصحبها اختلال في ميزان القوى السابق داخلياً وخارجياً.

 

من هذه المنطلقات بدأ الباحثون والمفكرون في رصد امكانات الولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها العالمي والصمود كأكبر قوة في العالم. وكان من الطبيعي ان تتجه الانظار الى ذلك البلد ليس لكونه الدولة العظمى فحسب. وهو العامل الاهم ولكن بسبب اشتراكه مع الاتحاد السوفييتي السابق. في عاملي تدهور الاقتصاد والتنوع العرقي وهما الامران اللذان تركزت عليهما الانظار في رصد اتجاهات المستقبل، اضافة الى القوة العسكرية بالطبع.

 

وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بعناصر القوة الشاملة والاستراتيجية التي تفوق القوى الدولية الاخرى، الا ان الوزن النسبي لقوتها ظل يتراجع على مدى العقود الماضية مع تنامي عناصر القوى للقوى الاخرى المنافسة، الامر الذي ادى الى انخفاض واضح في قدرتها على الهيمنة والتأثير وتوجيه التفاعلات الدولية وقيادة النظام الدولي مقارنة بالعقود السابقة، ولم يقتصر تراجع القوة الامريكية على الجانب الاقتصادي فحسب وانما امتد الى جوانب اخرى سياسية واجتماعية وتقنية ومعنوية، وهي عناصر كانت تتمتع فيها الولايات المتحدة بتفوق نسبي.

 

الصورة اذن، هي ولايات متحدة مسيطرة على العالم بقوة عسكرية هائلة ذات تقنيات رقمية متفوقة، غير ان هذه القوة العسكرية تحتاج الى قوة دفع اقتصادية هائلة ايضاً. فالاقتصاد الامريكي هو اكبر اقتصاد في العالم ويمتلك الكثير من مقومات القوة الا انه يواجه مشكلات منذ عدة سنوات لاسباب عديدة.. واختلف الاقتصاديون الامريكان حول مدى قدرة الاقتصاد الامريكي على تجاوز مشاكله الراهنة.. حيث اشاروا الى انه رغم ان السياسة الاقتصادية لادارة الازمة المالية قد حققت بعض النجاح.. فلا يزال معدل الناتج المحلي الاجمالي في الولايات المتحدة أقل بكثير من امكاناتها، هذا بالاضافة الى استمرار الخلل في توزيع الدخل الذي اتسع بين محدودي الدخل والاغنياء بشكل مطرد.

 

وركز عدد من الباحثين الامريكان على ضرورة ان تعيد الولايات المتحدة بناء عناصر قوتها الداخلية باعتبارها الاساس الذي تتأسس حوله قوتها الاستراتيجية.. فقد اشاروا الى ان اكبر تهديد للولايات المتحدة لا يأتي من الخارج بل من الداخل، فكثير من مصادر القوة الامريكية تتآكل، مشيرين الى ان الامر لا يقتصر على تدهور البنية التحتية ونظام النقل بل يمتد الى القوة البشرية، فكثير من الوظائف يظل شاغراً او يذهب الى غير الامريكان لعدم وجود المهارات اللازمة في سوق العمل الامريكي.

 

من هنا، نظر الكثيرون الى ان العدوان الامريكي على عراقنا 1991 و 2003، جاء بدافع اقتصادي بحت، وان حكاية النظام الدولي الجديد ليست سوى استعراض قوة امريكي من اجل فرض آتاوات على العالم لدفع ثمن الحماية او عدم المهاجمة بل ان لغة التعامل الامريكي في رصد المنافسين المحتملين باتت واضحة لا خجل فيها.

 

في قراءتنا هذه نشير الى كتابين تناولت مستقبل الولايات المتحدة سواء كموضوع منفرد او ضمن قراءة مستقبلية لاوضاع دولية. فمن بين العديد من الكتب التي وقعت بين ايدينا نتوقف عند كتابين:

 

الاول- الافلاس، الانهيار القادم لامريكا، تأليف- هاري فيجي وجيرالد سوانسون.

 

الثاني- الاستعداد للقرن الحادي والعشرين، تأليف- ﭙول كينيدي.

 

الكتاب الاول مباشر الى حد بعيد ومؤلفاه احدهما رجل اعمال كبير والآخر باحث اقتصادي. وهو يتحدث عن انهيار اقتصادي أكيد للولايات المتحدة اذا لم يتم تدارك الامر بسرعة. فالغاية من تأليف الكتاب هي تعريف المواطن الامريكي بحقيقة الوضع السيء لبلده، على الرغم من ادارات دولته تبدل كل جهد ممكن لاخفاء مثل هذا الوضع.

 

يقدم الكتاب الادلة والشروح الواقعية والحقائق المعتمدة على التقصي والبحث الدقيقين. فقد وفق المؤلفان في ايصال رسالتهما عبر كتابهما الى الامريكان بشكل واضح وبدرجة كبيرة جداً في تصوير مشكلة الديون المخيفة بشكل يجعل كل مواطن امريكي يفكر بصورتها البشعة وفي النتائج المترتبة عليها، الامر الذي سيسهل عملية ادراكهم لما يجري ولما سيجري، خاصة اذا تأملوا حالتهم وحالة افراد عوائلهم ومستقبلهم فيما لو انهار اقتصاد بلدهم فعلاً، ولا شك في انهياره- كما يؤكد الكتاب- فيما لو استمرت الاوضاع الراهنة.. خاصة بعد ان

 

حققت الخزينة الامريكية عجزاً في السنوات القليلة الماضية.. وسيزيد معدل العجز شيئاً فشيئاً حتى يصل الى المرحلة التي لن تجد امريكا فيها من يقرضها النقود. فالمسؤولون في البيت الابيض يدركون تماماً ما يجب عمله للتخلص من الديون غير انهم يفتقرون الى الارادة اللازمة، لانهم يعملون على خيانة امريكا- على حد قول الكتاب –عن طريق صمتهم التام حيال ما يجري، ويعود سبب هذا الصمت الى الخوف المتمثل في احتمال فقدانهم لاصوات ناخبيهم ان هم واجهوا الوضع بكل مسؤولية وامانة بغض النظر عن الاجراءات القاسية التي سيتبعونها في هذه الحالة.

 

ان امريكا تعيش الآن حالة حرب تختلف عن المفهوم التقليدي، فالحرب حرب اقتصادية بالدرجة الاولى، وقد ادت اجراءات الحكومة الخاطئة – كما يقول مؤلفا الكتاب- الى استمرار “تراكم معدلات العجز الذي ادى بدوره الى استنزاف ثرواتنا قطرة قطرة، واظطرت حكومتنا الى اللجوء الى الدائنين الاجانب من اجل الحصول على الاموال اللازمة للوفاء بالتزاماتها وواجباتها، وقد عملت الحكومة بهذا على وضع نفسها تحت رحمة هؤلاء الدائنين”.

 

ان امريكا – تأسيساً على ما ذكر- ستواجه مأزقاً اقتصادياً ومالياً قاسياً جداً ومميتاً في نفس الوقت يعود سببه الى اهتمام السياسيين والافراد بانفسهم وباحزابهم، ثم يأتي اهتمامهم ببلادهم في اسفل سلم اولوياتهم. وبسلوكهم هذا –يؤكد المؤلفان- لن يبقى لامريكا التي نعرفها اليوم اي وجود خلال السنوات القليلة القادمة. ففي هذه السنوات ستنزلق نحو الافلاس وحينها سيزول عصر القوة الامريكية بزوال طريقة الحياة الامريكية.

 

فبعد انقضاء سنوات العقد الاول من القرن الحادي والعشرين –كما يؤكد المؤلفان- “لن يجد المواطن الامريكي من يساعده اطلاقاً بسبب استنزاف ما يسمى بأدارة واشنطن واعيانها ونوابها الذين انتخبناهم بأنفسنا لموارد البلاد وامتصاصها حتى الموت. وقد بدأت عمليات السلب هذه منذ عام 1975، وبذل القتلة كل جهدهم لاخفاء حقيقة الوضع عن المواطنين وهم بهذا يدمرون البلاد ويدمرون الاسس التي قامت امريكا عليها قبل مائتي عام”.

 

ثم يدعو المؤلفان كل الامريكان الى الاعتماد على “انفسهم لا ان يتكئوا على اولئك لمصلحة الشركات والمؤسسات الاجنبية والذين يسرحون ويمرحون في اروقة البيت الابيض، وتتمثل الخطوة الاولى في ضرورة مواجهتنا للحقيقة المرة للوضع المأساوي الذي نعيشه هو تعرية القتلة امام المواطنين من اجل المساعدة في مجابهة الخطر المحدق بنا”

 

وبعد ان يهاجم المؤلفان المتسببين في الازمة يتسائلان: من هم اولئك الذين يقتلون امريكا؟

 

لا شك –يقولان- “انك سمعت بأسمائهم او باسماء بعضهم. ويأتي الرئيس الامريكي على رأس هؤلاء القتلة، ثم يعقبه رئيس الاغلبية الحزبية في مجلس الشيوخ ويليهما المتحدث باسم البيت الابيض. ولا شك ان للمواطنين دوراً غير مباشر في هذه الازمة، فنحن الذين انتجنا هؤلاء القتلة، سواء رئيس البلاد او اعضاء مجلس

 

الكونغرس. ولكن لا ذنب لنا في اختيار آلاف المساعدين ولا في اختيار الطاقم الاداري للبيت الابيض الذي ينصب جل اهتمامهم على تحقيق مصالحهم لا مصالحنا”.

 

ومما تجدر الاشارة اليه –كما اشرها المؤلفان- ان الكونغرس يعد شريكاً لا يمكن اغفال دوره في ايصال امريكا الى هذه الحالة المريعة التي توشك ان تنقلب الى كارثة كبرى خاصة وان الغالبية العظمى من اعضاء الكونغرس تجهل مبادئ الاقتصاد وأسسه، فهم رجال سياسة وقانون في المقام الاول ولم يسبق لمعظمهم ان اكتسب اي خبرة في مجال الادارة والتنظيم بل وانهم كانوا ينظرون الى قطاع الاعمال على انه خصم يجب محاربته.

 

“ان الامور ستبلغ من السوء الى درجة ان الولايات المتحدة ستعجز عن تسديد الفوائد المترتبة على الديون.. وبالتالي ستنهار لا محالة الا اذا بدأنا العمل فوراً لانقاذ انفسنا” –يقول المؤلفان-.

 

وهنا، لا بد من ان يتبادر الى الذهن ان الكتاب يبالغ كثيراً غير انه يقطع الطريق على هذه الملاحظة ليقول: “قد يعتقد اننا نبالغ نوعاً ما ولكنها الحقيقة المرة التي ستعصف بنا، وحتى كلمة –مرة- لا تصف الاوضاع القادمة بشكل دقيق وستفقد امريكا سيطرتها على الاقتصاد حيث سيفقد الدولار قيمته وترتفع الاسعار بشكل جنوني وسنطلق على هذا الوضع اسم –الموت من التضخم الحاد- ومن جهة اخرى فان التجارة والمستثمرين في اسواق المال العالمية لن يقدموا على الاستثمار في امريكا وسنطلق على هذا الوضع –الموت خوفاً- ومهما كانت التسميات ومهما كانت الاحوال التي ستؤول البلاد اليها فان هناك حقيقة لا يمكن اغفالها وهي ان امريكا ستنتهي كلياً”.

 

ان الدولة –اية دولة- العاجزة عن تسديد ديونها تفقد احترام الدول الاخرى وتقديرها. وامريكا –كما اشار المؤلفان- مستمرة بهذه المرحلة حتماً وحينها لن تخسر قوتها المالية والاقتصادية وحسب بل وستخسر ايضاً المركز الدولي الذي تتمتع به.

 

وفي الواقع، فقد بدأت امريكا تخسر بالفعل بعض المعارك التجارية والسياسية خاصة امام المانيا واليابان، وبدأت تفقد السيطرة السياسية في دول ما وراء البحار، كما ان ادارتها اصبحت عاجزة عن معالجة المشاكل الاجتماعية المتفاقمة.

 

“ان علينا فرض الشروط بأنفسنا على البلاد قبل ان نضطر الى السماح لغيرنا بفرضها علينا –يدعو المؤلفان- وقبل ان نعلن افلاسنا وبيع اصولنا المالية الى الدائنين كجزء من ديونهم المستحقة علينا سيكون حال البلاد كحال أية مؤسسة او شركة تشهر افلاسها ولكن بصورة اسواء ، اذ ان افلاس الشركة اهون بكثير من افلاس دولة وستتحول امريكا وقتها الى دولة سادت ثم بادت”.

 

هذه المبالغة في الكتاب من المفيد الاشارة الى انها مهما بلغت فانها لن تغير من حقيقة ان ثمة اوضاعاً اقتصادية في غاية الصعوبة تواجه امريكا. وعلى الرغم من ان الكتاب لا يتعرض لتأثير التدهور

 

الاقتصادي الذي يراه على الواقع السياسي والاجتماعي، وهو ما سيسارع بالتأكيد في عملية الانهيار، فأننا يجب ان نتذكر هذه القضية ونحن نقرأ المعلومات الكثيرة التي يقدمها الكتاب.

 

الكتاب الثاني- الاستعداد للقرن الحادي والعشرين لبول كينيدي، الذي اكد على ان امريكا وهي في العتبات الاولى من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ستبدأ بفقد زهوها واولوياتها على الرغم من خلو الساحة الدولية –ولو مرحلياً- من منافس لها نظراً لانشغال الاغلبية بشؤونهم الداخلية الخاصة مما يجعل امريكا –ديكاً اوحد- حسب نعت احد معلقي صحيفة لوموند الفرنسية، خصوصاً بعد انعدام توازن القوى الذي كان مسيطراً طوال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

انها تعيش مرحلة انتقالية، هي العبور الصعب من سلطة دولية مهيمنة الى سلطة دولة قانصة منتهزة. العبور من الاحادية الدولية الى الثنائية الانتقائية.

 

الانهيار الامريكي يمثل طابعاً نسبياً لا ينعكس على الآخرين، فأن حصة امريكا من الانتاج الصناعي الدولي هبط الى اقل من مستوياته المعروفة. وفي السنوات العشر الماضية انخفضت الالتزامات الدولية بالدولار الامريكي الى اكثر من نصفه تماماً. والقروض الدولية التي كانت تتم بالدولار انخفضت هي الاخرى . وكذلك مجموع التوظيفات الامريكية في الخارج هي الاخرى لم تكن لمصلحة امريكا.

 

ان امريكا توقفت عن تعبئة مدخراتها وصارت مضطرة ان تأخذ الوفر الدولي لسد عجزها، ولذلك صارت تضارب الدول النامية المدينة بحثاً عن رساميل. هذا التدهور لم يصب القطاع العام الامريكي فحسب بل تعرض ايضاً الى القطاع الخاص الذي اصبح –كما الدولة- يستدين ويدفع فوائد اكثر مما ينال.

 

هكذا تراجعت امريكا عن منزلتها كقوة عظمى وصارت –سلطة قابضة- تبحث عن مكاسب من جانب واحد لتعوض خسارتها النسبية كسلطة كبرى. ولعل هذا ما حفز المفكر المعروف بول كينيدي الى تناول -المعضلة الامريكية- في كتابه –الاستعداد للقرن الحادي والعشرين- الذي نحن بصدد قراءة بعض طروحاته بخصوص ما ذكرناه آنفاً…

 

يختلف طرح كينبدي عن طروحات زميليه في الكتاب السابق –الافلاس..- فهو لا يتحدث عن انهيار امريكي وانما يتحدث عن معضلة، محللاً جوانبها المختلفة ليصل في النهاية الى نتيجة غير التي وصل اليها الكتاب السابق الذي وصل الى –ان امريكا ستنتهي كلياً-.

 

يحلل الكتاب في البداية قضية القوة العسكرية للولايات المتحدة مؤكداً ان “الولايات المتحدة في مجال القوة العسكرية لا يمكن مساواتها مع أية امة اخرى بمن فيها روسيا والصين”.

 

غير انه لا ينكر الضرر الاقتصادي الذي احدثته النفقات العسكرية مؤكداً ايضاً ان “الحفاظ على مثل هذا الموقع العالي له ثمن، وهو 300 بليون دولار سنوياً”.

 

ويختلف كينيدي كذلك مع ما طرحه الكتاب السابق حول موضوع الاقتصاد، فهو يرى “ان الامريكان اذا اخذوا بنظر الاعتبار حجم وتعقيد اقتصادهم فمن المستحيل تصنيفه بالقول انه ضعيف لا يرتجي منه او قوي

 

بشكل كبير، بل انه خليط من الضعف والقوة” مع ضرورة الاخذ بالاعتبار ايضاً ان مؤلفي الكتاب الاول هما عالمان في الاقتصاد والاعمال، بينما كينيدي مفكر وعالم في الاجتماع السياسي.

 

غير ان كينيدي يقر بأن “معدلات النمو قد انخفضت بشكل كبير في الربع الأخير من هذا القرن، مقارنة بالربع الثالث”. ويقر ايضاً بأن القوة العظمى القيادية لا تستطيع بكل بساطة “الحفاظ على موقعها الى ما لا نهاية اذا كان اقتصادها تدهور نسبياً”.

 

ويرى كينيدي، ان المشكلة الرئيسية تنبع من انخفاض الانتاجية عند المواطن الامريكي في مقابل معدل الاستهلاك العالي جداً له. ويربط الكاتب ذلك بجملة من المتغيرات الاجتماعية والديمغرافية التي يتناولها بشيء من التفصيل والتركيز حيث يؤكد من ان المشكلة الاساسية ليست في زيادة عدد السكان وانما في “التغيرات الهامة في اطار اولئك السكان” اي ان التأثيرات المتوقعة على التركيب العرقي للولايات المتحدة ستكون بسبب الهجرة ونسبة المواليد عند السود الملونين”.

 

ويرى كينيدي، ان هذا التغيير الديمغرافي سيؤثر على الاقتصاد الامريكي “سواء على تركيبة قوته العاملة او على المسألة الاكبر المتعلقة بقدرة المنافسة الامريكية في مستقبل يؤكد المتنبئون انه سيكون مسيطراً عليه من قبل المجتمعات القائمة على المعرفة”.

 

ويصف انه “يمكن للتغيير الديمغرافي ايضاً ان يفاقم التوترات العرقية كتلك القائمة بين الامريكان الافارقة والامريكان الاسبان حول الوظائف، او بين الامريكان الآسيويين والامريكان الافارقة حول امكانيات التعليم. وبالمثل يمكن للتغيير الديمغرافي ان يحفز قلق البيض الفقراء العرقي وعلى المدى الطويل قد يثير الميل الى ازدياد عدد سكان امريكا ذوي البشرة البنية او الرمادية سباقاً على الضمان الاجتماعي والالولويات في المخصصات المالية”.

 

يبدو ان الكتاب لا يعطي هذه القضية الاهتمام الذي تستحقه مع ربطها بحالة السخط الشديد الآخذة في التفاقم في صفوف السود والملونين بسبب الفجوة الآخذة في الاتساع الشديد بينهم وبين الاغلبية الغنية في المجتمع الامريكي والمتمركزة في صفوف البيض الانغلوساكسون واليهود بشكل خاص.

 

على هذا الصعيد، هناك اشارة تتعلق برؤية مهمة اخرى حول المسألة العرقية وتأثيراتها يطرحها الاجتماعي ارثر شليزنغر في تقرير له بعنوان –تفكك امريكا- حيث يقول: “لم يعد بالامكان ان نتحدث عن مواطن امريكي ولكن عن امريكي من اصل افريقي او ايطالي.. لقد فرض الانتماء العرقي نفسه على الانتماء الوطني، وسقط الحكم الامريكي بالوحدة امام مطالبات المجموعات العرقية بالمحافظة على خصائصها”.

 

غير ان القضية التي يغفلها كينيدي ومعه شليزنغر ربما عن عمد، هي مسألة اليهود ودورهم المتعاظم في الحياة السياسية الامريكية والذي بلغ ذروته في عهد كلنتون، حيث يسعى اليهود الى مصادرة القرار السياسي الامريكي بالكامل متجاهلين القوى الاخرى المهمة المتواجدة على الساحة السياسية واهمها كتلة البيض

 

الانغلوساكسون فضلاً عن اثارتهم بالهيمنة السياسية والمالية والاعلامية للقوى الاخرى الهامشية مثل الملونين والسود على وجه الخصوص.

 

ان المعطى في الحياة السياسية الامريكية لا يمكن تجاهله خاصة مع ادراكنا لعقلية اليهود التي لا تقف عند حد سعيها للهيمنة وامتلاك كل شيء.

 

من ناحية اخرى، يلخص كينيدي رؤيته للمستقبل بالقول: “في الحقيقة تعني كل الدلائل ان الولايات المتحدة ستستمر في شق طريقها رغم الصعوبات، فيما يستمر النقاش حول التدهور او التجديد. لكن تبعة شق هذا الطريق على المدى الطويل هي تدهور بطيء ثابت ونسبي في مستويات المعيشة المقارنة ومستويات التعليم والمهارات الفنية والقواعد الاجتماعية والقيادة الصناعية، وفي النهاية في القوة القومية، تماماً مثلما حصل في بريطانيا. وقد يكون البريطانيون تجنبوا الخيارات الصعبة من خلال سياسة شق الطريق لكن تجنب الخيارات قادهم في النهاية الى فقدان موقعهم العالمي”.

 

غير ان الكتاب يشترط لسياسة شق الطريق التي يتحدث عنها “قيادة مختلفة جداً عن نوع القيادة العاجزة التي تحكم البيت الابيض”، فهو لا يعتقد ان ادارات الولايات المتحدة المتعاقبة مؤهلة لذلك.. من هنا، فأن نتيجة رؤية كينيدي ستقترب عملياً من النتيجة التي وصل اليها –فيجي وسوانسون- مع الفارق الزمني الذي لن يزيد عن العشرين سنة في اكثر التوقعات تفاؤلاً من وجهة نظر امريكية.

 

اما نحن جماعة الجنوب فلا يتوقع منا الا ان نكون فرحين بهذه البشائر، فمعاناتنا من النفوذ الامريكي اكبر من ان تتصور، ويبدو انها ستزداد لانهم –اي الامريكان- في رحلة الانهيار، سيكونون اكثر وقاحة من مص دم شعوبنا، ولكن “مقاومة المتضررين من التفرد الامريكي وهم الاكثرية في هذا العالم ستساهم بصورة رئيسية في تسريع الانهيار. فهل يعي هؤلاء المتضررون دورهم بدل التعويل فقط على التفكك الداخلي”. كما يذهب ميشال جوبير وزير الخارجية الفرنسي الاسبق في كتابه –لا الله ولا الشيطان-.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.