عن “جماعات” العراق و”مؤامرة” سدّ الموصل

0 1

سليم-سوزة

 

كتب /  سليم سوزه …

ليست الجماعة سوى بنية سياسية تتشكّل تحت ظروف تاريخية وثقافية لتصبح قوة باحثة عن سلطة في لحظة وهن تصيب الأنظمة. ربما تكون الجماعة كياناً ثقافياً أو قَبَلياً لكنها بالنهاية وعاء سياسي ، مثلها مثل أي حزب سياسي ، يضم أتباعاً ويعمل بآليات سياسية ، فعلاً أو ردّ فعل ، قصداً أو بغير قصد. لذا فكل كلمة “جماعة” ترد في هذه المقالة لست أقصد بها سوى ذلك الكيان السياسي بالنهاية.

 

لكل جماعة خطابها الخاص. هذا الخطاب مسؤول عن إنتاج المعرفة وهو الذي يحدّد ما يقع في صالح الجماعة من عدمه. ليست المعرفة هنا هدفاً بريئاً بل شكلاً من أشكال السلطة كما يعتقد ميشيل فوكو.

 

يرى فوكو أن كل شكل من أشكال الرغبة للمعرفة هو تمرين للسلطة ، والخطاب هو الواسطة التي تتسلّل عبرها تلك السلطة. فالخطاب يشكّل مواضيع المعرفة كلها. ينتج الواقع ويصنع في النهاية “مجالات الموضوع وشعائر الحقيقية” (Gilbert ص ٣٦).

 

وفي الحديث عن الجماعة فإن إستمرارها ، بوصفها شكلاً من أشكال السلطة أيضاً ، لن يتم إلّا بصناعة خطاب إيديولوجي محدّد. خطاب صارم يؤسّس لمفهوم العداء والمنافسة مع “الآخر”. قد يأخذ هذا الخطاب الإيديولوجي شكلاً دينياً أو طائفياً أو قومياً فيستعيد سرديات تاريخية معيّنة تضمن ديمومة الجماعة وإنتاج نفسها في كل مرة تتعرّض هويتها الى تهديد قيمي جديد.

ففي الصراع الطائفي مثلاً ، تُعاد إنتاج أدوات الفتن وخطب الكراهيات للتذكير بالهوية الطائفية كلما صار هناك خطر عليها لصالح نزعات العقل والتسامح المجتمعي. ومثل هذا الأمر يحصل في النزاعات ذات الصبغة القومية والسياسية أيضاً ، بل وحتى في الشدّ الثقافي الحاصل بين الشرق والغرب ككتلتي صراع تاريخيتين. إذ تبقى المنافسة محصورة بين كراهية وكراهية مضادة وفق منطق ال “نحن” وال “هم”.

 

ومثلما يقول المفكر الهندي هومي بابا ، لا يوجد في السماء شرق وغرب بل في مخيلتنا فقط لنعتقد بها حقيقة كاملة ، يكون الخلاف بين الجماعات خلافاً وهمياً مصطنعاً ، غالباً ما يعتمد على الظن والتخمين بدلاً من إعتماده على الواقع. فلا تتعلّم الجماعة ولا تريد أن تعرف إلّا لأجل ديمومة الخلاف مع “الآخر” لكي لا تفقد شرط وجودها. وبهذا تكون المعرفة هنا سلطة وتدعيم لهوية الجماعة على حساب هويات الجماعات الأخرى. سلطة يراها فوكو أنها نتاج شبكة مجهولة من العلاقات تبحث لتقوية نفسها بكل وسيلة ممكنة ومن الصعب جداً أن يتخلّص من تأثيراتها الأفراد لأننا جميعاً خاضعون لها في لاوعينا.

 

لا يتفق إدوارد سعيد مع فوكو في هذه المقاربة لأنه يرى أن المعرفة ، بوصفها أداة تبرير لهيمنة جماعة على أخرى ، ليست ظاهرة إعتباطية بل عملية حاصلة بوعي وقصدية سببها رغبة الفرد والمؤسسات في السيطرة والتحكم بالآخرين (Gilbert ص ٣٧). بمعنى آخر ، أنها ممارسة إمبريالية موجودة عند كل الجماعات وليس عند المستعمر الغربي فقط.

 

سواء كانت المعرفة لتبرير سلطة الجماعة ممارسة إعتباطية (فوكو) أم قصدية (سعيد) ، النتيجة واحدة وهي أن هناك جماعة توغل في المعرفة لتعيد إنتاج الفتن في محاولة لتعبئة الأتباع ضد مَن يهدّد مساحة نفوذها وهيمنتها سياسياً وثقافياً وجغرافياً. مثل هكذا جماعة لا تستطيع العيش دون خلاف. خطابها جاهز وإستنفارها موجود دوماً حيث لا تُحسن الظن “بالآخر” أبداً مهما كان هذا “الآخر” منطقياً في رأيه.

 

في العراق ، هناك المئات من الأمثلة كيف تُنشّط فكرة “الجماعة” نفسها كلما أصابها ضعف.

أحد أهم أسلحة التنشيط والإثارة هي نظرية المؤامرة ، فحتى يتم تعبئة أكثر عدد ممكن من الأتباع لابد أن تُحشَر “المؤامرة” في كل زاوية من زوايا الحديث عن “الآخر”. لابد من شيطَنَة “الآخر” تماماً ووضعه في دائرة الشبهات دوماً. لابد من تذكير الأتباع دائماً أن “الآخر” غير صادق ويتآمر عليهم بإستمرار.

 

لنأخذ قضية سدّ الموصل وما أثير حوله في الأيام القليلة الماضية.

كالعادة ، إنقسم العراقيون الى فريقين. فريق يرى أن تهديداً جدّياً قد لحق بأساسات السدّ وأنه قد ينهار في أية لحظة ويغرق معه ربع العراق إن لم تُسرع الحكومة في معالجة هذا الأمر. وآخر يرى أنها مبالغة ومسرحية من مسرحيات الأمريكيين في العراق طالما أول مَن تحدّث عن هذا الموضوع هو تقرير فيلق المهندسين الأمريكي. لا مشكلة في الخلاف في وجهات النظر أبداً. فهذا أمر طبيعي. المشكلة في طريقة عرض هذا الخلاف وتسويقه الذي يؤشر الى عمق الأزمة الفكرية التي نعانيها نحن في العراق. فالفريق الثاني لم يكتفِ بتكذيب خبر إنهيار السدّ وإتهام الأمريكيين بالمبالغة فيه لغرض أخذ مقاولة تعميره أو حتى القيام بتدميره لأسباب معيّنة ، بل راح يطعن بنوايا كل مَن كتب محذّراً بهذه القضية في الميديا ووسائل التواصل الإجتماعي. يتّهمهم أنهم أذناب للسفارة الأمريكية يروّجون لمؤامراتها بعلمٍ أو بغير علم. وحتى تصبح قصة التكذيب أكثر إثارة لابد أن تَستنفذ ديماغوجيا التثوير طاقاتها بإستخدام مفردات العمالة ، التخوين ، الإحتلال ، إسرائيل ، أمريكا ، وغيرها من أجل تعبئة الناس إيديولوجياً لموقفٍ معارض.

 

الفريق الأول من جانبه يشحذ الهمم ويصرخ بأعلى صوته أن تقرير الأمريكيين صحيح. يكتب ويعلن عشرات المرات عن هذا الموضوع ، حتى أن بعضهم يبالغ كثيراً في ردّ فعله ويصرّ على حصر القضية في إطار الصراع المكوّناتي في العراق. راح يلمّح أن هناك مؤامرةً حكومية لتدمير مدن السنّة وإغراق محافظاتهم. هذا ما قاله السيد فارس الفارس ، النائب عن إتحاد القوى العراقية من على قناة الشرقية قبل أيام. قال أن بطء تعامل الحكومة العراقية مع قضية إنهيار سدّ الموصل يبدو وكأنه مؤامرة ضد سكّان المحافظات السنّية. إذ لو إنهار السدّ ستختفي من الخارطة محافظات الموصل والرمادي وصلاح الدين.

 

يدعم كلا الفريقين رأيه بأدلة ووثائق الخبراء حتى تصبح وجهة نظره أكثر حبكة وإقناعاً للأتباع. يبحث كلٌّ منهما عن أيّ خبرٍ يؤيد رأيه ويجهد في نشر تلك الأخبار للجمهور. أنهما يستخدمان “المعرفة” ليس لغرض المعرفة بل لخدمة موقفهما الإيديولوجي المسبق ودعم خندق ال “نحن” في مواجهة ال “هم”. هكذا تتم عملية صناعة “الجماعة”. أمّا عملية تصنيف “جماعتي سدّ الموصل” فهي ليست عملية صعبة إن قسنا هذا الخلاف بمسطرة الإنقسام الإجتماعي الأوضح ، ولربما نستطيع التعرّف إجمالاً على ملامح طائفتي الجماعتين وإنتمائهما المكوّناتي أيضاً.

لا يعني هذا أن كل مَن كتب محذّراً من إنهيار السدّ أو رافضاً للفكرة إنطلق من موقفٍ طائفيٍ أو سياسيٍ أو إجتماعي ، ولا يعني أيضاً أنه مؤدلج لخيارٍ ما على طول خط الصراع الفكري في العراق. هذا تبسيط مهوّل وقراءة متعسّفة للموضوع.

هناك العديد ممّن كتب في هذه القضية بدافع الحرص والرغبة في إيضاح الأمور بعيداً عن لغة التخوين والإثارة. وسواء أصاب أم أخطأ في رأيه ، هو خارج جماعتي “التصعيد” اللذين أقصدهما في مقالتي هذه.

 

سدّ الموصل ليست نهاية القصة في العراق. ستخترع جماعات العراق سدوداً ومشاكل أخرى من أجل ديمومة الصراع مع “الآخر”. هذه هي سياسات الجماعة في كل دول العالم ، فبدون مشكلة أو تصعيد أو مؤامرة مفترضة لن تبقى الجماعة طويلاً وستفقد شرط وإشتراطات وجودها. لذا فهي تجهد في خلق الأعداء رغم أنها تشتكي ظلمهم في الأعلام. فالعدو بالنسبة لها وجودٌ وقوةٌ وهيمنة على الأتباع ولولاه لن تستطيع الجماعة تعبئة وتثوير أتباعها. لذا ستبقى دائماً تقرأ “الآخر” على الشبهة ولن تُحسن الظن به أبداً أبداً.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.