كتب / طالب قاسم الشمري ..

جاءت احلام العراقيين وامالهم وتطلعاتهم بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 كبيرة، وحلموا انهم سيعشون نهضة عملاقة في التنمية والصحة والتربية والتعليم وظهور مشاريع كبيرة تشمل كافة مناحي حياتهم بغية تحسن اوضاعهم المعاشية بعد ان يتذوقوا طعم الحرية والديمقراطية و يزدهر وطنهم وينفتح على العالم والاقليم ويعود العراق قويا معافا ويستقبل المواطن العراقي في كافة ارجاء العالم بالترحاب والاحترام والتقدير، لكن ما حصل عليه العراقيين كان عكس ذلك تماما، فالازمات والنكبات والفقر والتفاوت الطبقي والتردي والتراجع وانحسار الخدمات وتهديد الامن والعيش المشترك والسلم الاهلي والتخندقات الطائفية والعنصرية والمذهبية كانت السمة الابرز لحياة المواطن بعد التأريخ المذكور.

ولعل من سمات مرحلة مابعد سقوط النظام الصدامي، هو الانفتاح السياسي الذي شهد ظهور طبقة سياسية وحزبية واسعة لم تألفها البلاد من قبل، وهذا الانفتاح اثمر عن تنوع عددي وكمي كبير ، بخلاف موضوعة الحزب الواحد التي كان مسيطرة على الاوضاع داخل العراق، وكان الجميع يستبشر بهذا التوسع السياسي لعله يقدم او يضيف للبلد ماكان يطمح اليه في هذا المجال، الا ان ذلك التنوع لم يك سوى وبالا عليه بحسب وصف الكثيرين، فالتنوع الحزبي انتج بعض السياسيين من الذين لايعون من مفاهيم العصر الحديث ولا من فنون القيادة الشيء البسيط، فيما راحت بعض الجماهير تركض خلفهم (غير عارفين) بما ستؤول اليه احوالهم نتيجة قرارات وتصرفات وافكار ومصالح تلك الساسة!!.

بالمقابل، برزت بعض الاسماء السياسية ، وتصدت لظروف البلد ، واستطاعت نسبيا، تقديم شيء ممكن القول عنه بأنه كان وطنيا ومسؤولا وناجحا في مرحلة ما، اما نتاجات البقية الاخرى، فكانت كارثية على البلاد والعباد بسبب النهج الخاطئ والافكار والمصالح الضيقة والتي سببت التحديات والكوارث والازمات والفساد بكل انواعه.

المطلوب اليوم توجيه دفة البلاد نحو الاصلاح اكثر من اي وقت مضى، اصلاح يشمل كل نواح الحياة، السياسية والمالية والاجتماعية والصحية والثقافية والفكرية، فهدف الاصلاح الاول هو الارتقاء بمستوى معيشة المواطن، وتطوير البلد والارتقاء به الى اعلى درجات التكامل، والقضاء على كل تفاوت بين طبقات المجتمع ، و كلنا اليوم يشهد كيف يتبخر المال العام والثروات الوطنية ونشاهد ما يفعله اثرياء الفساد الاداري والمالي والسياسي وتجار الازمات الجشعين الذين يقومون برفع الاسعار بشكل غير مبرر بدل من القيام باعلاء المصلحة العامة وتبني سياسة التكافل والقبول والرضا بمكسب معقول ونحن في ظروف اقتصادي واجتماعي وسياسي وامني لانحسد عليه، ولا ندري هل ان القادة والسياسيين يعلمون بما يفعله اثرياء الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟؟

الجميع في هذا البلد يعيش في مركب واحد، ونجاح اي طرف او جهة فيه تعني نجاح الجميع، وعلى كل سياسي وكل فرد عراقي ان يقوم بدوره الوطني والانساني والقيمي في مواصلة التجذيف نحو بر الامان وهذا بامس الحاجة الى بناء و تعزيز دور المنظومة القيمية، وبما ان القيم جزء مهم واساسي من الثقافة اذا نحن الان بامس الحاجة الى نهضة ثقافية توعوية قيمية في اعلاء قيمة الوطن والمواطنة والنزاهة واحترام شرف المسؤولية وان نرفع شان وقيمة العمل والتجديد ومعاني الوطنية الحقيقية الصادقة و العمل والسعي والاجتهاد من اجل الابتكار والابداع في المهام والواجبات وان نعمل على خلق نشئ جديد يحب الحياة ..

ونتساءل، متى يدرك المعنيين بادارة وقيادة الدولة ضرورة واهمية تامين حياة حرة كريمة للشعب العراقي؟؟ اين الدولة العراقية الديمقراطية التي كثر الحديث عنها و التي حلم بها العراقيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري؟؟ متى نودع والى الابد ثقافة سرقة المال العام والفساد الاداري والمالي ومحاصصة الثروات الوطنيةبين الكتل والاحزاب السياسية عن طريق محاصصة مؤسسات الدولة تحت العديد من العناوين البراقة التي تحمل اسم الوطن والوطنية؟؟ ومتى سنغادرهذه التجاوزات والتعديات والحصول على المنافع والمكتسبات من الدولة بدون وجه حق ؟؟ وكل من يفعل ذلك ويمارس مثل هذا السلوك هو لص ومجرم يقع تحت طائلة القانون ولعنة التأريخ.

ان كل ما تقدم بحاجه الى نهضة ثقافية تربوية تعلمية، وهي بامس الحاجة الى تبني افكار وبرامج جديدة تعمل عليها كل مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني الحقيقية الرصينة لتغير الكثير من الثقافات الشعبية البالية التي عفا عليها الزمن ويراد بعثها من جديد لتسطيح افكار الناس والمجتمع، وهي ثقافات لا تواكب ايقاع الحياة ومتطلباتها، اليوم نحن امام متطلبات حياتية جديدة وتحديات انسانية وسياسية واجتماعية غاية في التعقيد.

نحن اليوم بامس الحاجة الى ان تفتح الدولة، والحكومة والسياسيين واصحاب القرار، الابواب امام الوطنيين والمخلصين والكفاءات ليكون الرجل المناسب في المكان المناسب بدل الاستيلاء على المنافع والمناصب عن طريق المحاصصات التي تسحق النماذج والشرائح والكفاءات العلمية الوطنية المتفوقة ما يدفعها الى الهجرة للعيش خارج الوطن بحثا عن بيئة مناسبة لهم واماكن تلبي طموحاتها في حياة تليق بما تملكه من علم ومعرفة وامكانية تساعد على تصريفها.

اذا لابد من الاهتمام بكل بذرة صالحة، وكل رؤية ايجابية وكل رأي وفكرة وقرار صالح، ودعمها وتطويرها وتشجيعها واحتواء الكفاءات والحفاظ عليها لتعمل داخل الوطن وفي مؤسسات الدولة والقطاعات العامة والخاصة باعتبارها السند الحقيقي لبناء الدولة والمجتمع وتحقيق النمو و التنمية ليعيش العراقييون في حالة من الامن والاستقرار،و فسح المجال امام العراقيين وخاصة الشباب للحصول على فرصة عمل وارساء قواعد الاستقرار في المجتمع وهذه من المهام المنطلقات والقواعد الاساسية للحكومة لنتمكن بعدها من اعادة بناء الدولة والمجتمع والوطن والخلاص من واقعنا الفاسد.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.