كتب / عميرة أيسر

تعرف الولايات المتحدة الأمريكية حالة من التراجع والتقهقر، في عدة ملفات داخلية وخارجية، وهذا ما أصبح واضحاً بشكل جلي منذ  وصول جوزيف بايدن لمنصب رئيس الدولة، التي حكمت العالم بقبضة حديدة منذ نهاية الحرب  الباردة، والذي يجمع الكثير من المراقبين والسّاسة، و حتى من داخل الحزب الديمقراطي على أنه أضعف رئيس عرفته البلاد في تاريخها، والذي عرف تداول 45 رئيساً على البيت الأبيض منذ إقرار  دستور الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 4 مارس/أذار 1789م، ويعتبر جورج واشنطن الذي سميت العاصمة الأمريكية باسمه كأول رئيس لبلاد العم سام، و يعود الفضل له في إرساء القواعد السّياسية والقوانين الدستورية التي لا تزال ارثاً يحافظ عليه السّاسة في بلاد العم سام، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين باعتبار أن الديمقراطية الأمريكية ثنائية القطبية، حيث أن كل رؤساء أمريكا ينتمون لأحد  هذين الحزبين اللذان يديران العملية السّياسية في البلاد منذ أكثر من قرنين من الزمن.

فالرئيس الأمريكي الحالي جوزيف بايدن، والذي شغل منصب نائب الرئيس باراك أوباما خلال عهدتين رئاسيتين، وذلك في الفترة الممتدة من  20جانفي /يناير 2009م، لغاية 20جانفي/ يناير 2017م، وقبلها شغل منصب سيناتور عن ولاية ديلا وير في الفترة الممتدة من 3جانفي / يناير 1973م، إلى غاية 15جانفي / يناير 2009م، بالإضافة إلى العديد من المناصب المهمة الأخرى، حيث شغل منصب رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي، في الفترة الممتدة من 3 جانفي/ يناير 1987م إلى  غاية 3جانفي/ يناير 1995م، وبالتالي وبالنظر لكل هذه المناصب السّياسية التي شغلها، والتي اكسبته خبرة كبيرة في التعامل مع العديد من  القضايا الدولية، ومكنته من فهم طبيعة المجتمع الأمريكي، وفهم سيكولوجية المواطن الذي انتخبه، ولكن يبدو أن جوزيف بايدن الذي وصل لمنصب الرئاسة بدعم من اللوبي الصهيوني اليهودي في أمريكا، الذي تخلى عن دعم خصمه ترامب في خضم السّباق الرئاسي، بعدما نفذ له كل مطالبه السّياسية، والتي كان من أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، و هي المدينة  التي تعتبر من أقدس المدن لدى الديانات السماوية الثلاثة، والغريب في الأمر أنه بالرغم من كل التقارير الإعلامية التي تحدثت عن حالته الصحية والذهنية الغير مستقرة، وهذا ما ظهر بشكل واضح خلال حملته الانتخابية،  إلا أن اللجنة القانونية المكلفة بدراسة ملف المرشحين قبلت ملف ترشحه، وحصل على أصوات أكثر من 270من كبار الناخبين، وهو الرقم الضروري للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، حسب ما نشرته وسائل اعلام أمريكية، ليصبح بالتالي الرئيس 46 للولايات المتحدة الأمريكية. كما ذكر موقع فرانس 24، بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 2020م، في مقال بعنوان ( جو بايدن، الديمقراطي الذي خبر السياسة الأمريكية يفوز بمفاتيح البيت الأبيض).

ولكن بمجرد وصوله لسدة الحكم فإن سياسته قد اتسمت بالغموض وعدم الوضوح، والتخبط في معالجة الكثير من الملفات الشائكة، وخاصة بعد ازدياد عدد الإصابات المسجلة بفيروس كورونا، والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها، والتي أدت لغلق الكثير من الشركات، وتسريح آلاف العمال، الذين أصبحوا عاطلين عن العمل، وذلك بالرغم من خطة المساعدة المالية الطارئة التي رصدت بقيمة 1.9 ترليون دولار، والهادفة لمساعدة العائلات وكذا الشركات المتضررة من الجائحة، وهي جزء من خطته الشاملة للقضاء على الآثار المترتبة على الأزمة الاقتصادية التي اتهم سلفه ترامب بأنه السبب في وقوعها، إذ قام بايدن بتقديم شيكات بقيمة 1400 دولار لكل شخص  مقيم في أمريكا حتى ولو لم يكن حاملاً للجنسية الأمريكية ، بالإضافة لزيادة اعانات البطالة بمعدل 400 دولار أسبوعياً، وذلك حتى 30 سبتمبر/ أيلول 2021م. كما ذكر موقع فرانس 24، بتاريخ 15 جانفي/ يناير 2021م، في مقال بعنوان ( جو بايدن يكشف خطته لمكافحة الأزمتين الاقتصادية والصحية في الولايات المتحدة).

ولكن بالرغم من كل هذه التحفيزات المالية التي قدمها بايدن لدعم الاقتصاد الأمريكي، ولكنه فشل في كبح الانهيار الاقتصادي المتسارع في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والطاقية، وخاصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي أدت لحدوث تحول دراماتيكي في موقف الكثير من الدول من الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تعامل بايدن بازدراء ومنها السعودية التي رفض ملكها سلمان بن عبد العزيز الرد على اتصالاته المتكررة، إلى جانب السخرية والتهكم التي تعرضها لها في الإعلام السعودي وخاصة خلال شهر رمضان الفضيل، حيث تناول أحد البرامج الكوميدية التي تعرض على قناة سعودية، إحدى خطاباته  السّياسية، وعمد  القائمون على  البرنامج  لتقليل من هيبته كرئيس  لأقوى دولة  في العالم بشكل مقصود،  حيث ظهر كرئيس  خرف وضعيف لا يملك من أمره شيئاً، وذلك في رسالة سياسية واضحة لواشنطن، بأن عهد السيطرة الأمريكية على السعودية قد انتهى، وهي التي رفضت زيادة امداداتها النفطية لتخفيض أسعار النفط في الأسواق الدولية، وهناك العديد من العوامل التي أدت لتراجع شعبية بايدن  كما يقول رئيس  قسم الأمن  القومي في صحيفة واشنطن بوست غاي تيلور، كارتفاع نسب التضخم ، وحالة الإرهاق العام بسبب الوباء، حيث تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة غالوب، بأن شعبية بايدن تراجعت من 57 بالمئة إلى 40 بالمئة في الأشهر الثمانية الأولى من انتخابه. كما ذكر موقع الحرة، بتاريخ 21جانفي/ يناير 2021م، في مقال بعنوان ( الإرهاق العام، أبرز أسباب تراجع بايدن في عامه الأول).

فبايدن قد أضر بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية دولياً، وخاصة بعد موقف المتخاذل من الحرب الروسية على أوكرانيا، وعجزه عن ردع بوتين عن تنفيذ سياساته الهادفة إلى إجبار صناع القرار في كييف عن الاعتراف بجزيرة القرم كجزء من الأراضي الروسية واستقلال إقليم دونباس، وعدم انضمامها لحلف الناتو، أو الاتحاد الاوروبي، وفشل المحققين التابعين للشرطة الفدرالية الأمريكية في إيجاد أدلة تدين قوات الجيش الروسي بارتكاب جرائم حرب ضدّ المدنيين في أوكرانيا، فبايدن قد وجد نفسه في ورطة حقيقية،   وذلك بعد  أن قامت وزارة الدفاع الروسية بنشر صور و أدلة دامغة تثبت تورط قوات حلف الناتو في بناء مختبرات سرية للأسلحة الجرثومية والبيولوجية فوق الأراضي الأوكرانية، وهو ما أثار موجة من الانتقادات الواسعة حتى داخل أمريكا، وأصبحت أمريكا في نظر الكثير من الدول، المتسبب المباشر في مقتل مئات الآلاف  من الأبرياء،  وذلك جراء الفيروسات والأوبئة الفتاكة التي تم تصنيعها في مختبراتها السرية والتي تم نشرها في العديد من الدول وخاصة  التي تقع في القارة الأفريقية، وفقدت مصداقيتها  بالتالي كدولة راعية للسّلام ولحقوق الإنسان كما سوقت نفسها دائماً.

وذهب الكثير من خبراء الاقتصاد إلى أن فقدان الثقة لدى الكثير من المستثمرين الأجانب في الكيفية التي يسير بها بايدن مؤسسات الدولة الأمريكية حالياً، و تراجع هيبة الدولار عالمياً وأهميته  كعملة قوية قادرة على الصمود في وجه الأزمات المالية العالمية، خاصة بعد أن تخلت الكثير من الدول عن التعامل بالدولار في تعاملاتها الطاقية، والانهيار في اقتصاديات العديد من الدول التي كانت تعتمد بشكل أساسي في احتياطاتها المركزية على الدولار، كلبنان وتونس وسيريلانكا، وعجز واشنطن عن تقديم مساعدات مالية وتحفيزات اقتصادية لتلك الدول التي تركتها لمصيرها المحتوم.

بالإضافة لازدياد حجم الدين الخارجي الأمريكي الذي تخطى حاجز 24.2 ترليون دولار في نهاية 2019م، وذلك من إجمالي الدين العالمي المقدر بحوالي 226 ترليون دولار، وعجز إدارة بايدن عن تخفيضه أو الحد منه، فتراكم الديون الخارجية سيؤدي مع مرور الوقت لانكماش الاقتصاد الأمريكي، وتراجع الاستثمارات العالمية، وتراجع قوة وصمود الدولار أمام التقلبات التي تشهدها أسواق المال والأعمال في الأسواق الدولية، وأكثر شيء تتخوف منه إدارة بايدن حالياً هو تخلي الدول الكبرى المصدرة للنفط، كالسعودية أو فنزويلا وإيران…الخ، عن استعمال الدولار في تعاملاتها البينية، و بالتالي بيع منتجاتها الطاقية بعملاتها المحلية، أو بعملات دولية كاليوان الصيني أو اليورو أو الجنيه الاسترليني، وهو ما سيكون مؤشراً خطيراً جداً على بداية انهيار النظام الاقتصادي والمصرفي في أمريكا، والذي ستكون له ارتدادات مدمرة على الكثير من الدول الرأسمالية، التي هي جزء من النظام العالمي الغربي حالياً.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.